محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
321
الإنجاد في أبواب الجهاد
أنفسهم ، ويردوا ما ثبت من ذلك الأمان لهم ، أو يتراضوا على أن يبيع بعضهم بعضاً ، أو يرهنه ، كلّ ذلك وما أشبهه ممّا ينافي عقد ذلك الأمان ، لا يباح ولا يعمل به فيمن رضي ذلك منهم لنفسه ، أو لم يرض ، إلا أن يتمالأ جميعُهم ومَلِكُهُم على ردِّ العهد ، فهذا له وجهه ، وإنما وجب ذلك لعموم قوله - تعالى - : { أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } [ المائدة : 1 ] ، و { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ } [ النحل : 91 ] . ولما كان عقد المهادنة معهم على العموم في مصلحتهم ، وإقرار مملكتهم وبلادهم ، وانتظام حالهم ، وكان أمر ذلك يختل إذا أجيب الآحاد إلى رفع ذلك فيما رضوا به لأنفسهم ؛ لم يجز في حكم الوفاء أن يُنْقَضَ ذلك عليهم ، ولم يكن رِضى الآحاد عاملاً في ذلك على جماعتهم . وأما الأمان الخاص ، وهو الذي يرجع الأمر فيه إلى تأمين أشخاص على أعيانهم ، لا يتعلق في ذلك حقٌّ لغيرهم ، ولا لبعضهم من بعض ، ففي هذا النوع عن مالك وأصحابه : أن من تراضوا منهم على بيع نسائهم ، وأبنائهم ؛ فلا بأس به ( 1 ) ، وعلى ذلك يكون من رضي منهم أن يردَّ ما جُعِلَ له من الأمان ، ويبيح نفسه للرق ؛ فهو مما لا بأس به - إن شاء الله - . وقال ابن حبيب في العِلج يكون في مَنَعةٍ ، ومن أمره في فَسحة فَيُسْتَأْسَرُ : فذلك له أمان ، لا يُقتل ولا يُسترق ، وإذا اسْتأْسر وقَدْ رَهَقْتَهُ : فلا أمان له ( 2 ) . قال فضلٌ في قوله : « فذلك له أمان ، لا يقتل ولا يسترق » ، قال : إلا إن اشترط عليه - عندما أمِنَ - الاسترقاق ، ورضي به فيسترق ، قال : وهو قول سحنون ( 3 ) . قلت : وإنما جاز ذلك في هذا النوع الخاص ؛ لأن الأمان الذي اعتصم به هو بيده ، فله أن يحله وينبذه ، فإذا نبذ العهد ، ولم يكن يتعلق به حقٌّ لغيره كما
--> ( 1 ) انظر : « النوادر والزيادات » ( 3 / 153 ) . ( 2 ) انظر : « النوادر والزيادات » ( 3 / 71 ) . ( 3 ) انظر : « النوادر والزيادات » ( 3 / 71 ) .